الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

206

نفحات القرآن

من بعدهم ، وفي المرحلة التالية عند اصطدامهم بالعوائق والموانع تبرز الحاجة إلى أشخاص يهبّون للدفاع ويقدّمون التضحيات حتّى يتمكّن الصالحون أخيراً من حكم المجتمع . وفي هذه المناسبة ينبغي الإشارة إلى أنّ مرافقة هذه الفئات الأربع لا تعني وحدة المقام معها ، بل تعني إمكانية الارتباط بها كما هو الحال في اتصال الطالب بأستاذه أو الجندي بآمره . ورد ما يشبه هذا المعنى - ولكن بثوب آخر - في قوله تعالى : « وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ » . ( الحجر / 47 ) ويلحظ في الآية 31 من سورة الكهف إشارة إلى نفس المعنى أيضاً . وعلى أيّة حال ، فإنّ مرافقة هؤلاء الصالحين والاتصال بهم يُعد من أكبر اللذات المعنوية لأصحاب الجنّة . 5 - العلاقات الطّيبة إنّ ما يملأ أجواء الحياة بهجةً هي الأحاديث الطيّبة التي يتبادلها الناس مع بعضهم ، فلو كانوا كلهم صادقين ويفكّرون بشكل أصولي ويتعاملون فيما بينهم بالانصاف والمودّة ويتبادلون الحبّ والاحترام ، لكانت حياتهم مملوءة بالاستقرار والبهجة ، ولكن لو انحرفت العلاقات فيما بينهم نحو الكلام القبيح وتبادلوا التهم والأكاذيب والذم والتقريع وتنابزوا بالكلمات الفجّة التي تأباها الآداب العامّة ، يصبح من الصعب على أحدهم صيانة شخصيته والتعامل في مثل هذه الأجواء بل إنّ هذه الأجواء تصبح خانقة ومؤلمة له . وأحد الخصائص الموجودة في الجنّة هي خلوّها من هذه الظواهر ، فأهل الجنّة لا يسمعون كلمة كذبٍ واحدة على مدى خلودهم أبداً ولا تطرق أسماعهم الكلمات النابية ولا الأحاديث الباطلة ، وهذه من أهم الفضائل المعنوية التي يتمتّعون بها .